الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
305
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ويطلق اليقين أيضا على الموت لأنه معلوم حصوله لكل حيّ فيجوز أن يكون مرادا هنا كما في قوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . فتكون جملة حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ غاية للجمل الأربع التي قبلها من قوله : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إلى بِيَوْمِ الدِّينِ . والمعنى : كنا نفعل ذلك مدة حياتنا كلها . وفي الأفعال المضارعة في قوله : لَمْ نَكُ ، و نَخُوضُ ، و نُكَذِّبُ إيذان بأن ذلك ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم . وفي الآية إشارة إلى أن المسلم الذي أضاع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مستحق حظّا من سقر على مقدار إضاعته وعلى ما أراد اللّه من معادلة حسناته وسيئاته ، وظواهره وسرائره ، وقبل الشفاعة وبعدها . وقد حرم اللّه هؤلاء المجرمين الكافرين أن تنفعهم الشفاعة فعسى أن تنفع الشفاعة المؤمنين على أقدارهم . وفي قوله : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ إيماء إلى ثبوت الشفاعة لغيرهم يوم القيامة على الجملة وتفصيلها في صحاح الأخبار . وفاء فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ تفريع على قوله : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ، أي فهم دائمون في الارتهان في سقر . [ 49 - 51 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : الآيات 49 إلى 51 ] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ( 49 ) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ( 50 ) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ( 51 ) تفريع للتعجيب من إصرارهم على الإعراض عن ما فيه تذكرة على قوله : وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ [ المدثر : 31 ] . وجيء باسم التذكرة الظاهر دون أن يؤتى بضمير نحو : أن يقال : عنها معرضين ، لئلا يختص الإنكار والتعجيب بإعراضهم عن تذكرة الإنذار بسقر ، بل المقصود التعميم لإعراضهم عن كل تذكرة وأعظمها تذكرة القرآن كما هو المناسب للإعراض قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ [ التكوير : [ 27 ] . و فَما لَهُمْ استفهام مستعمل في التعجيب من غرابة حالهم بحيث تجدر أن يستفهم